ثقافةمقالات

التلاعب بالعقول ومهزلة العقل البشري

التلاعب بالعقول ومهزلة العقل البشري

التلاعب بالعقول ومهزلة العقل البشري

دراسة وتحليل د/علوي القاضي
ويواصل الكاتب العراقي علي الوردي وجهة نظره في مهزلة العقل البشري فيقول ، لايظهر الأنبياء أو المصلحون إلا بعد ظهور المشككين ، فالمشككون يطعنون بالسائد من الأعراف والعقيدة المحورة ، وبذلك يكونون قاعدة للمصلحين والأنبياء ، ويضرب مثالا على ذلك السوفسطائيين بالإغريق والأحناف بالعرب
ويضيف الكاتب ، أن الفكر البشري حين يتحرر ويخرج على التقاليد لا يستطيع أن يحتفظ بطابع اليقين على أية صورة ! ، ‏إنه حين يشك في أمر واحد من أمور حياته ، لا يستطيع أن يقف في شكه عند هذا الحد ، فالشك كالمرض المعدي لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي.
ويرى الكاتب أن الإنسان إذ يكسر تقليدًا واحدًا ، لابد أن يأتيه يوم يكسر فيه جميع التقاليد ! ، ‏َابتلي الإنسان بهذه المشكلة ذات الحدين ، فأمامه طريقان متعاكسان ، وهو لابد أن يسير في أحدهما ، طريق الطمأنينة والركود ، أو طريق القلق والتطور ، ومن المستحيل عليه أن يسير في الطريقين في آن واحد
‏… ويؤكد الكاتب أنه يجدر بنا أن نحتاط قليلاً في صدد نهج البلاغة ، مع الأسف قد إحتوى على بعض الأقوال التي لايجوز أن تُنسب إلى الإمام علي من وجهة نظره ، إذ هي تُخالف مبادئه التي يدعو إليها أو أسلوبه الذي عُرِف به
ولم ينسى الكاتب المرأة المربية فيقول ، أن المرأة في الواقع هي المدرسة الأولى التي تتكون فيها شخصية الإنسان ، والمجتمع الذي يترك أطفاله في أحضان إمرأة جاهلة لايمكنه أن ينتظر من أفراده خدمة صحيحة أو نظرًا سديدًا
ويعلن الكاتب عن منهجه في الحياة فيقول ، إني أعمل جاهداً ، لكي أظهر وجهي دون قناع ، لكن ما أغفلته حقاً أننا داخل مسرح عبثي كبير ، إسمه الحياة ، إذ يجب أن تكون ممثلا بارعاً ، لكي يصفق لك الجمهور ، هم سعداء وبعيدين كل البعد عن الشقاء ، ف كما قال الكاتب ، البلاهة العامة تجلب للناس الطمأنينة ، ف معتقداتهم التي نشأوا عليها تجعلهم يرفضون الشخص الذي يتجرأ على الظهور بوجهه الحقيقي
ويرى الكاتب أن الحياة حفلة تنكرية فيقول ، إني أخجل من نفسي مثل كافكا عندما أدرك أن الحياة حفلة تنكرية وهو الذي حضرها بوجهه الحقيقي ، وأخجل كذلك من الأيام لأني أصبحت عارياً أمامها ، إنها ترى عورتي ، الجزء الذي لايستطيع أحد أن يراه ، تراه هي ، أنا لا أتحدث عن مؤخرتي بل عيوبي ، ف لا يوجد في الكون أروع من شخص عرف عيوبك و مازال يحبك
ويعلن الكاتب عن رأيه في الدنيا فيقول ، ليس في هذه الدنيا شيء يمكن أن يتلذذ به الإنسان تلذُذاً مستمراً ، فكل لذة مهما كانت عظيمة تتناقص تدريجياً عند تعاطيها
ويعلن الكاتب أيضا عن رأيه في تأثير البيئة على الإنسان فيقول ، إن أي إنسانٍ لاينمو عقلهُ إلا في حدودِ القالبِ الذي يصنعه لهُ المجتمع ، ومن الظُلم أن نطالب إنساناً عاش بين البِدائيين مثلاً أن يُنتج لنا فلسفةً معقدةً كفلسفة برجسون أو فيزياء عاليةٍ كفيزياء آينشتاين ، هل للبيئة فعلاً تأثير على الإبداع ؟! موضوع للنقاش
وكان للكاتب رأي في السعادة فيقول ، ‏يتوهم الإنسان أن الوظيفة ستجعله سعيداً ، ثم يتوهم أن الزواج سيجعله سعيداً ، ثم يتوهم أن الأطفال سيجعلونه سعيداً ، وسيظل يتوهم ويتوهم حتى يموت ، من ينتظر أمر معين حتى يشعر بالسعادة سيظل ينتظر طوال حياته ، لذا كن سعيداً الٱن واستمتع بما لديك ويقول الكاتب أيضا ، أن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة ويركز فقط على ثقافة بلده ، فلا ننتظر منه أن يكون محايداََ في الحكم على الأمور بل توقع منه العنصرية الشديدة والتعصب لبلده وفكره
ويتهكم الكاتب على سلوك الإنسان اللا إنساني فيقول ، بينما يصرخ العصفور في القفص لينقذه أحدهم ، يعتقد الإنسان أنه يغني من السعادة ، أليس هذا من مهازل العقل البشري
ويستمر الكاتب في تهكمه فيقول ، قيل أن شخصاً علم القطط أن تحمل الشموع له على مائدة الطعام ، فجاء أحد ضيوفه وهو يحمل في جيبه فأراً ثم أطلقه على المائدة ، وسرعان ما انطلقت القطط وراءه ورمت الشموع على المائدة لتحرقها وتحرق من كان يأكل منها
ويسقط الكاتب ماتقدم من قصة على الموقف التربوي للإنسان فيقول ، إن الذي يريد أن يغيّر طبيعة الإنسان بواسطة الموعظة والكلام المجرد لايختلف عن هذا الذي علّم القطط حمل الشموع ، فالناس يستمعون له ويتأدبون أمامه ويسيرون بين يديه بوقار كأنهم أنبياء ، ولا تكاد ترمي إليهم بشيء ثمين حتى ينطلقوا وراءه متكالبين ، إذ ينسون ماذا قال لهم الواعظ وبماذا أجابوه ويذكر الكاتب قصّة معبرة يَقول فِيهَا يُحكَى أنَّ جَمَاعة مِن الفِئرَان ، إجتَمعُوا ذَات يَوم ، ليُفكِّروا فِي طَريقة تُنجيهم مِن خَطَر القِطِّ ، وبَعد جَدَلٍ عَنيف ، قَام ذَلك الفَأر المُحتَرَم ، فاقتَرَح عَليهم أَنْ يَضعوا جَرسًا رَنَّانًا فِي عُنق القِطّ ، حَتَّى إذَا دَاهمهم سَمعوا بِهِ قَبل فَوَات الأَوَان ، و فَرّوا مِن وَجهه ، إنَّه اقترَاحٌ رَائِع لَارَيب فِي ذَلك ، ولَكن المُشكِلَة الكُبرَى كَامِنَة فِي كَيفية تَعليق الجَرَس عَلَى عُنق القِطّ ، فمَن هو ذَلك العَنتَري الذي يَستَطيع أَنْ يُمسك بعُنق القِطِّ ، ويَشدّ عَليه خيط الجَرَس ، ثُمَّ يَرجع إلَى قَومهِ سَالِمًا غَانِمًا ؟! نسَي صَاحبنَا الفَأر ، أَنَّ اقترَاحه لَا يُمكن تَطبيقه عَمليًا ، فالقِطّ سَوف يَأكل كُلّ مَن يُريد أَنْ يَشدّ عَلى عُنقه جَرَسًا مِن مَعَاشِر الفِئرَان ، المغزى من القصة هو أنه لاينبغي في الفكرة أن تكون رائعة وجميلة بحد ذاتها بل المهم أن تكون عملية ، إن الفكرة تشبه المفتاح لا يهم إن كان ذهبا أو خشبا أو نحاسا ، المهم هو أن يفتح الباب ، ولو استمعنا إلى المجانين ، لوجدناهم أحيانا ينطقون بأجمل الأفكار وأروعها ، لكنهم رغم ذلك لايستطيعون أن يكونوا أنبياء أو مصلحين إجتماعيين
إن المصلح أو النبي قد يأتي بالفكرة البسيطة جدا لكنه يقلب بها وجه العالم ، فهو يأتي بها كعملية تؤثر في حياة الناس ، وتدفعهم نحو الحركة الإجتماعية التي تلعب دورها في صياغة التاريخ.
وإلى لقاء في الجزء العاشر إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة.
التلاعب بالعقول ومهزلة العقل البشري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى